رسالة إلى القارئ، بقلم توماس مانتون
رسالة مانتون إلى القارئ
رسالة مانتون إلى القارئ، تقديما لمعايير وستمنستر
أيها القارئ المسيحي، لا أظنك غريبا في إنجلترا إلى حد أن تجهل الشكوى العامة من اضمحلال قوة التقوى، ولا سيما من الفساد العظيم في الشباب. فحيثما ذهبت سمعت الناس يصيحون من رداءة الأولاد ورداءة الخدم؛ مع أن منبع الشر في الحقيقة يجب أن يُطلب أعلى من ذلك قليلا: فالوالدون الأردياء والسادة الأردياء هم الذين يصنعون أولادا أردياء وخدما أردياء؛ ولسنا نلوم عنادهم بقدر ما نلوم إهمالنا نحن في تربيتهم.
إن لإبليس حقدا عظيما على ملكوت المسيح، وهو لا يعرف طريقا أوجز لسحقه في مهده من إفساد الشباب وتقويض واجبات البيت. وهو يضرب كل تلك الواجبات التي تُؤدى علنا في محافل القديسين، غير أنها محروسة، بأوامر يسوع المسيح الرسمية ووصيته عند موته، حراسة أوثق من أن يرجو يوما أن يقلبها ويقوضها بالتمام؛ وأما واجبات البيت فيضربها بنجاح أوفر، لأن تأسيسها ليس بتلك الرسمية، ولأن ممارستها لا تُراعى بما ينبغي من الجدية ويقظة الضمير، ولأن إغفالها لا يقع تحت الملاحظة والتأديب العلني بالقدر نفسه. فالدين إنما فُقس أول ما فُقس في البيوت، وهناك يسعى إبليس إلى سحقه؛ فبيوت الآباء البطاركة كانت هي كل الكنائس التي لله في العالم في ذلك الزمان: ولذلك، على ما أظن، حين خرج قايين من بيت آدم، قيل إنه خرج من لدن الرب (التكوين ٤:١٦). والآن، يعلم إبليس أن هذه ضربة في الأصل، وطريق ميسور لمنع تعاقب الكنائس: فإن استطاع أن يقوض البيوت، لم تلبث سائر الجماعات والمجتمعات أن تفقد ازدهارها وبقاءها بأي قوة أو حيوية؛ لأن هناك المعين الذي منه تُمد في الحاضر والمستقبل معا.
أما في الحاضر: فالبيت مشتل الكنيسة والدولة؛ وإن لم تُغرس في الأولاد هناك المبادئ الصالحة، فسد كل شيء: فالخطأ في الطبخة الأولى لا يُصلح في الثانية؛ وإن نشأ الشباب نشأة رديئة في البيت، خرجوا أردياء في الكنيسة والدولة؛ فهناك أول الصلاح أو الفساد، ومن هناك تُؤخذ دلالة حياتهم المقبلة (الأمثال ٢٠:١١). وبتأديب البيت يُدرَّب أصحاب الوظائف الكنسية (تيموثاوس الأولى ٣:٤): من يدبر بيته حسنا، إلخ؛ وهناك يُربَّى الناس على الخضوع والطاعة. وقد لوحظ (أعمال الرسل ٢١:٥) أن التلاميذ شيعوا بولس في طريقه مع نسائهم وأولادهم؛ ولعل أولادهم ذُكروا للإيماء إلى أن والديهم كانا يربيانهم، بمثالهما وبوداعهما الحار لبولس، على التوقير والاحترام لرعاة الكنيسة.
وأما في المستقبل: فمما يعزي، لا شك، أن يرى المرء مشتلا مزدهرا من الغروس الفتية، وأن يرجو أن يكون لله شعب يخدمه بعد أن نموت ونمضي: وبذلك كان شعب الله يعزي نفسه (المزامير ١٠٢:٢٨): أبناء عبيدك يسكنون، إلخ.
وبناء على هذه الاعتبارات كلها، ما أشد ما ينبغي أن يحرص الخدام والوالدون على تنشئة الصغار، ما داموا لينين، قابلين كالشمع لكل شكل وطبع، في معرفة الله ومخافته؛ وعلى أن يغرسوا فيهم مبكرا مبادئ إيماننا الأقدس، كما هي مجموعة في خلاصة وجيزة في كتب التعليم المسيحي، فتوضع كلها معا أمام الضمير! ولا شك أن بذور الحق هذه، مغروسة في حقل الذاكرة، إن لم تعمل شيئا آخر، فستكون على الأقل لجاما وزماما عظيمين لهم، وستخفف شيئا من حرارة شهوات الشباب وأهوائه، كما يوقف صب الماء البارد غليان القدر.
وكنت قد عزمت، بناء على رجاء، أن أوصيك بأشد ما يكون من الحرارة بعمل تلقين التعليم المسيحي، وبفائدة هذا الكتاب معينا مناسبا، مطبوعا هكذا مع نصوص الكتاب المقدس بتمامها: غير أني وقعت على رسالة خاصة للاهوتي عالم تقي جدا، قد أُحسن فيها هذا العمل نيابة عني، فأتجاسر على نقل جزء منها وأعرضه على العيان.
وبعد أن ناح الكاتب على ما في الكنيسة من اضطرابات وفساد وانقسامات عظيمة، يعرض السبب والعلاج هكذا:
من بين الأسباب، سبب رئيسي لهذه الشرور هو الإهمال العظيم الشائع من مدبري البيوت في أداء الواجب الذي عليهم لله من أجل النفوس التي في عهدتهم، ولا سيما في تعليمهم إياها تعليم المسيحية. فالبيوت جماعات يجب أن تُقدس لله كما تُقدس الكنائس؛ ومدبروها في عهدتهم النفوس التي فيها كما في عهدة الرعاة الكنائس. لكن، واأسفاه، ما أقل ما يُنظر في هذا أو يُراعى! فبينما يُطرد الخدام المهملون من مواقعهم، وهم يستحقون ذلك، يحسب أرباب البيوت المهملون أنفسهم بلا لوم تقريبا. إنهم يقدمون أولادهم لله في المعمودية، ويعدون هناك بأن يعلموهم تعليم الإنجيل وأن يربوهم في تأديب الرب؛ لكنهم يعدون بسهولة وينقضون بسهولة؛ ويربون أولادهم للعالم وللجسد، مع أنهم قد جحدوا هذين وكرسوهم لله. ونقض العهد هذا مع الله، وتسليم نفوس أولادهم إلى إبليس، لا بد أن يثقلا عليهم هنا أو فيما بعد. إنهم يلدون أولادا ويقيمون بيوتا للعالم والجسد فقط؛ ولا ينظرون كثيرا في أي عهدة أُودعت إليهم، وما معنى أن يربي المرء ولدا لله وأن يدبر بيتا بصفته جماعة مقدسة.
ما أعذب وما أنجح ما كان يمضي عمل الله لو اتحدنا جميعا، كل في موقعه، على تقدمه! فما كان الناس يحتاجون حينئذ أن يهرعوا إلى الكرازة بغير إرسال؛ بل كانوا يجدون أن ذلك الجزء من العمل الذي يخصهم يكفيهم، وأنه أفضل ما يستخدمون فيه. وعلى النساء خاصة أن يعتنين بهذا الواجب؛ لأنهن أكثر الناس ملازمة لأولادهن، ولهن فرص مبكرة متكررة لتعليمهم، ولأن هذه أهم خدمة يستطعن أن يقدمنها لله في هذا العالم، إذ هن ممنوعات من العمل الأكثر علانية. ولا شك أن كثيرا من الحكام الممتازين أُرسلوا إلى الدولة، وكثيرا من الرعاة الممتازين إلى الكنيسة، وكثيرا من القديسين الأعزاء إلى السماء، بفضل الإعداد السعيد لتربية مقدسة، ولعل ذلك على يد امرأة كانت تحسب نفسها عديمة النفع لا خدمة لها في الكنيسة. فلو أن الوالدين ابتدآ مبكرا واجتهدا أن يؤثرا في قلوب أولادهما بأمور الحياة الأبدية العظيمة، وأن يعرفاهم بجوهر تعليم المسيح، ثم إذا وجدا فيهم معرفة المسيح ومحبته أتيا بهم إلى رعاة الكنيسة ليُمتحنوا ويُثبتوا ويُقبلوا إلى سائر امتيازات الكنيسة، فأي كنائس سعيدة حسنة الترتيب كانت تكون لنا! وحينئذ ما كان يلزم أن يقوم راع واحد بعمل مئتي رب بيت أو ثلاثمئة أو ألف، حتى يعلم أولادهم تلك المبادئ التي كان ينبغي أن يعلموهم إياها قبل ذلك بزمان طويل؛ ولا كنا نُضطر أن نكرز لنفوس جاهلة تعسة كثيرة لم تعدها التربية لتفهمنا، ولا كنا نحتاج أن نمنع من الشركة المقدسة هذا العدد الكبير بسبب الجهل، وهم مع ذلك لا نعمة لهم ليشعروا به وينوحوا عليه، ولا فطنة ولا صبر لينتظروا في حال التعلم إلى أن يستعدوا ليكونوا رعية مع القديسين وأهل بيت الله. وأما الآن فيأتون إلينا بعجب بالنفس مع تقدم السن، وقد جاوزوا الطفولة وهم مع ذلك أسوأ من الأطفال؛ لهم جهل الأطفال وقد فاتهم قبول التعليم الذي للأطفال، ويحسبون أنفسهم حكماء، بل حكماء إلى حد مخاصمة أحكم معلميهم، لأنهم عاشوا مدة تكفي لأن يكونوا حكماء، ودليل معرفتهم جهلهم المسن؛ وهم أسرع إلى الوثوب في وجوهنا طلبا لامتيازات الكنيسة منهم إلى التعلم منا وطاعة تعليماتنا حتى يستعدوا لها فتنفعهم؛ كالكلاب النهاشة التي تنهش أصابعنا طلبا لطعامها وتخطفه من أيدينا، لا كالأولاد الذين ينتظرون حتى نعطيهم إياه. فقد عود الوالدون أولادهم الجموح حتى صار الخدام لا يعاملون إلا الجامحين إلا قليلا. ولنقص إحكام هذا الأساس في البداية صار المجاهرون بالدين أنفسهم على ما هم عليه أكثرهم من الجهل، وصار كثيرون، ولا سيما من الأحداث، يبتلعون كل ضلال يُعرض عليهم تقريبا، ويتبعون أي شيعة من المفرقين تستهويهم، ما دام ذلك يجري بحرارة ومظهر معقول. فواأسفاه! مع أن قلوبهم قد تتغير بنعمة الله في ساعة، متى فهموا أساسيات الإيمان وحدها، فإن أفهامهم تحتاج إلى وقت واجتهاد لتزويدها بمعرفة تثبتهم وتحصنهم ضد المخادعات. وبناء على هذه الاعتبارات وأمثالها الكثيرة، ينبغي أن نرجو من جميع البيوت المسيحية أن تبذل جهدا أوفر في هذا العمل اللازم، وأن تزداد معرفة بجوهر المسيحية. ولهذه الغاية، مع أخذ بعض الرسائل المحركة لإيقاظ القلب، لا أعرف عملا أليق باستعمالهم من الذي جمعه المجمع في وستمنستر؛ وهو مجمع من لاهوتيين أتقياء بصيرين، على الرغم من كل الكلام المر الذي نالوه من ساخطين معجبين بأنفسهم، أحسب حقا أنه ما رأت إنجلترا مثلهم قط. وإن كان قد اتفق لهم شقاء الاستخدام في أزمنة نكبات، حين كان ضجيج الحروب يسد آذان الناس، وكانت إباحية الحروب تطلق كل لسان وقلم ماجن ليعيرهم، وكان المضي في تلك الحروب وعاقبتها يهيج الساخطين المتحيزين ليهينوا أنفسهم بالسعي إلى إهانتهم؛ فإني أجرؤ على القول إنه لو كان في الأزمنة السالفة، حين كان للمجامع سلطان وقدر، مجمع أساقفة كهذا المجمع من الشيوخ، لانتقل صيته في العلم والقداسة وجميع القدرات الخدمية إلى الأجيال التالية بكرامة عظيمة جدا.
ولذلك أرغب أن يدرس جميع أرباب البيوت هذا العمل أولا لأنفسهم درسا جيدا، ثم يعلموه أولادهم وخدمهم، كل بحسب مداركه. ومتى فهموا أسس الدين هذه، صاروا قادرين أن يقرأوا سائر الكتب بفهم أوفى، وأن يسمعوا العظات بنفع أوفر، وأن يتذاكروا ببصيرة أعمق، وأن يتمسكوا بتعليم المسيح تمسكا أرسخ مما يُرجى لكم بأي طريق آخر. فليقرأوا أولا التعليم المسيحي الموجز ويتعلموه، ثم الموسع، وأخيرا ليقرأوا إقرار الإيمان.
هذا ما قاله، وسأكتم اسمه، وإن كان امتياز المادة والأسلوب سيكشفه بسهولة، لأني نشرته بغير علمه ولا رضاه، وإن كنت أرجو ألا يكون ذلك على خلاف استحسانه وقبوله. ولن أزيد على هذا شيئا، سوى أني
خادمك في عمل الرب،
توماس مانتون.