جار التحميل

إلى القارئ المسيحي، بقلم لاهوتيي وستمنستر

رسالة إلى القارئ المسيحي

رسالة إلى قارئ معايير وستمنستر

ولا سيما إلى أرباب البيوت.

إذ لا يسعنا إلا أن ننوح بحزن النفس على تلك الجموع من الضلالات والتجاديف وكل ضروب التدنيس، التي طغت في هذا العصر الأخير على هذه الأمة كطوفان عظيم؛ فإننا، من بين خطايا شتى أخرى أعانت على فتح أبواب هذه الفجائر كلها، لا يسعنا إلا أن نعد ترك التعليم في البيوت من أعظمها. فإن العمودين العظيمين اللذين عليهما أُقيم ملكوت الشيطان وبهما يُسنَد هما الجهل والضلال، وأول خطوة في تحررنا من هذا الاستعباد الروحي أن تُفتح عيوننا وأن نرجع من الظلمة إلى النور (أعمال الرسل ٢٦:١٨). وأما مقدار ما يمكن أن تسهم به مساعي الوالدين والسادة الأتقياء الجادة في تطييب السنين الغضة لمن هم تحت رعايتهم مبكرا، فظاهر كل الظهور، لا من تأثيرهم الخاص فيهم فحسب، من جهة سلطانهم عليهم ونصيبهم فيهم وحضورهم الدائم معهم وكثرة فرص إفادتهم؛ بل أيضا من الآثار المحزنة التي نجدها، بتجربة مؤلمة، ثمرة إغفال هذا الواجب. وسهل علينا أن نضع أمامكم سحابة من الشهود، كان لسان ممارستهم لا مدحا بارزا لهذا الواجب فحسب، بل وعظا جادا به. فكما أن هابيل، وإن مات، يتكلم بعد (العبرانيين ١١:٤) بمثاله إلينا لنقتدي بإيمانه، إلخ، كذلك تتكلم أمثلة إبراهيم ويشوع ووالدي سليمان وجدة تيموثاوس وأمه وأم أوغسطينوس، الذين كانت عنايتهم بتغذية نفوس صغارهم كعنايتهم بتغذية أجسادهم؛ وكما كان تعبهم في ذلك عظيما، كذلك لم يكن نجاحهم دون ذلك بحال.

وما كنا نحسب أن يكون في هذا، في ضحى الإنجيل هذا، غير الفضول: أن نُعلم أو نُقنع بواجب أُمر به بهذه الصراحة، وحُث عليه بهذا التكرار، وشُجع عليه بهذا القدر، وشهد له الرب في كل العصور شهادة بارزة ببركته؛ لولا أن تجربتنا المحزنة تنبئنا أن هذا الواجب ليس ألزم مما هو مهمل في الآونة الأخيرة. ولإعادة هذا الواجب إلى مراعاته الواجبة، ائذنوا لنا أن نقدم هذه النصيحة المزدوجة.

أما الأولى فتخص أرباب البيوت في أنفسهم؛ وهي أنه، كما وضعهم الرب في مقام فوق سائر أهل بيتهم، فليجتهدوا بكل حكمة وفهم روحي أن يكونوا فوقهم في ذلك أيضا. فإنه لمنظر غير لائق أن يُرى رجال متقدمون في السن أطفالا في المعرفة؛ وما أقل أهلية أن يعلموا غيرهم من هم أنفسهم محتاجون أن يعلمهم أحد ما هي أركان بداءة أقوال الله (العبرانيين ٥:١٢). والمعرفة كمال مرغوب فيه إلى حد أن الشياطين أنفسهم لم يعرفوا طعما أشد إغراء يجربون به أبوينا الأولين من ثمرة شجرة المعرفة: فتكونان كالله عارفين الخير والشر. ولما أظهر الرب لسليمان تلك الحظوة، إذ جُعل هو الذي يختار ما يسأل، لم يعرف رحمة أعظم يطلبها من الحكمة (الملوك الأول ٣:٥,٩). فالفهم هو دليل الإنسان كله وربانه، وهو القوة الجالسة عند دفة النفس؛ لكن كما قد يخطئ أخبر الأدلاء في الظلام، كذلك قد يخطئ الفهم إذا أعوزه نور المعرفة: فبغير معرفة لا يكون الذهن صالحا (الأمثال ١٩:٢)، ولا الحياة صالحة، ولا الحال الأبدية آمنة (أفسس ٤:١٨). قد هلك شعبي من عدم المعرفة (هوشع ٤:٦). وقد جرت عادة الكتاب المقدس أن ينسب التدنيس وكل ضروب الزلل إلى الجهل. فأمراض الجسد كثيرا ما ينشأ منشؤها من اعتلال في الرأس، والشطط في الممارسة من الضلال في الحكم؛ بل الحق أن في كل خطية شيئا من الجهل والضلال في أساسها؛ فلو عرف الخطاة حقا ما يفعلونه إذ يخطئون، لأمكننا أن نقول في كل خطية ما قاله الرسول في تلك الخطية العظيمة: لو عرفوه لما صلبوا رب المجد؛ فلو عرفوا حقا أن كل خطية إغاظة للرب إلى الغيرة، وإعلان حرب على السماء، وصلب للرب يسوع ثانية، وذخر غضب لأنفسهم في يوم الغضب؛ وأنهم إن غُفر لهم يوما فلن يكون ذلك بثمن أدنى من ثمن دمه؛ لما كاد يمكن إلا أن تفزعهم الخطية بدل أن تغريهم، وأن ترعبهم بدل أن تجربهم. وإن من أكبر حيل الشيطان وأهم أساليبه أن يخدع الناس فيوقعهم في الخطية: وهكذا غلب أبوينا الأولين، لا كأسد بل كحية، إذ مارس عداوته تحت ستار الصداقة، وجربهما إلى الشر في مظهر الخير؛ وهكذا مضى في تنفيذ مقاصد الظلمة، إذ يغير شكله إلى شبه ملاك نور، فيجعل المساكين المخدوعين يحبون شقاءهم ويعانقون هلاكهم. وأنجع ترياق ضد كل ضروب الضلال أن يكون المرء مؤسسا راسخا في الإيمان: فالذين لم يثبتوا في الدين الحق شديدو القبول للدين الباطل؛ والذين ليسوا شيئا في المعرفة الروحية يسهل أن يُجعلوا أي شيء. فالغيوم بلا ماء تحملها كل ريح هنا وهناك، والسفن بلا صابورة عرضة لعنف كل عاصفة. غير أن المعرفة التي نوصي بها على الخصوص ليست معرفة الذهن ولا مجرد النظر؛ فهذه قد تكون في أشر الناس، بل في أشر الخلائق، أي الشياطين أنفسهم، وبمقدار لا يبلغه أفضل القديسين في هذه الحياة الناقصة؛ بل هي معرفة داخلية ذائقة قلبية، كتلك التي كانت في تلك الشهيدة، التي لم تكن تحسن أن تجادل عن المسيح، لكنها أحسنت أن تموت لأجله. وهذا هو الحس الروحي والشعور بالحقائق الإلهية الذي يتكلم عنه الرسول (العبرانيين ٥:١٤): قد صارت لهم الحواس مدربة، إلخ.

لكن، واأسفاه، يمكننا أن نقول في دين أكثر الناس ما قاله العالم ريفيه في شأن ضلالات الآباء: "لم تكن ضلالاتهم هم بقدر ما كانت ضلالات الأزمنة التي عاشوا فيها." وهكذا يأخذ أكثر الناس دينهم على أساس لا يفضل الأساس الذي عليه يأخذ الأتراك والبابويون دينهم، أي لأنه دين الأزمنة والأماكن التي يعيشون فيها؛ وما يأخذونه على هذه الخفة يضعونه بالسهولة نفسها. وأما الذوق الداخلي لأمور الله والتلذذ بها فحافظ ممتاز يبقينا راسخين في أشد الأزمنة اضطرابا. والمبادئ الفاسدة الكريهة تتمكن منا بأيسر كثيرا مما تتمكن المبادئ الروحية السليمة؛ إذ الأولى موافقة للطبيعة الفاسدة والأخرى مناقضة لها؛ والأولى تنبت من ذاتها والأخرى لا تُخرَج إلا بكد ودأب. فالأرض لا تحتاج في إخراج الأعشاب الضارة إلى قابلة سوى إهمال يد الفلاح أن تقلعها؛ والهواء لا يحتاج إلى علة للظلمة سوى غياب الشمس؛ ولا الماء إلى علة للبرودة سوى بعده عن النار؛ لأن هذه نتاج الطبيعة الأصيل. ولو كانت النفس كذلك، كما توهم بعض الفلاسفة عبثا، تأتي إلى العالم لوحا ممسوحا، أي صفحة خالية أو ورقة بيضاء لم يُكتب عليها شيء ولا فيها لطخة، لكانت حينئذ قابلة للخير والشر بالسوية، ولم تكن أنفر من أحدهما منها من الآخر؛ لكن كم هي حالها في الحقيقة أسوأ من ذلك، فلو سكت الكتاب المقدس لأظهرته تجربة كل إنسان ظهورا بينا. فمن ذا الذي يعرف شيئا عن قلبه ولا يعرف هذا القدر: أن إيحاءات الشيطان تدخل قلوبنا بهذه السهولة والحرية، حتى إن أقصى سهرنا أقل من أن يحرسنا منها؟ بينما حركات روح الله غير مقبولة عندنا إلى حد أن أقصى اجتهادنا أقل من أن يفتح قلوبنا لقبولها. فلتنهض إذن فيكم فضيلة الحكمة الحقيقية ولزومها وصعوبتها مساعي تناسب كمالا كهذا؛ وبكل مقتناك اقتن الفهم (الأمثال ٤:٧)؛ وابحث عن الحكمة كالكنوز المخبأة (الأمثال ٢:٤). فإن هذا يعنيكم كثيرا في أنفسكم.

ونصيحتنا الثانية تخص أرباب البيوت من جهة بيوتهم. فكل ما قيل آنفا، وإن كان يخص كل مسيحي فرد له نفس يعتني بها، فإنه يخص الوالدين والسادة من وجهين، إذ عليهم أن يعتنوا بأنفسهم وبغيرهم: فمنهم من لا يستطيع لجهله، ومنهم من لا يريد لتكاسله أن يبالي بهذا الواجب. فأما الأولون فنقترح عليهم طريقة يشوع، الذي ابتدأ بنفسه أولا ثم اعتنى ببيته. وأما الآخرون فلا نلمح لهم إلا إلى ما سيلاقيه أولئك الوالدون والسادة من لقاء رهيب في ذلك اليوم العظيم مع أولادهم وخدمهم، حين لا يشكوهم كل من كانوا تحت رعايتهم فحسب، بل يحملونهم تبعة هلاكهم الأبدي.

وما تمتع عصر من عصور الكنيسة بمثل هذه المعينات المختارة التي لعصرنا. فقد كان لكل عصر من عصور الإنجيل قوانين إيمانه وإقراراته وتعاليمه المسيحية، وما شابهها من مختصرات اللاهوت ونماذجه التي كانت نافعة نفعا فريدا. ومثل هذه الصيغ للكلام الصحيح، وإن ذُمت في هذه الأيام، مستعملة في الكنيسة منذ كتب الله نفسه الوصايا العشر خلاصة لما يجب أن يُعمل؛ وعلمنا المسيح تلك الصلاة التي له دليلا لما يجب أن يُطلب. وأما في فائدة مثل هذه المجموعات المختصرة فقد قال لاهوتي عالم من هذا العصر ما يكفي لإقناع كل من لم يعزم على أن يبقى غير مقتنع.

وأما في الامتياز الخاص لهذه الرسائل الآتية، فنرى أنه لا حاجة إلى ذكر تلك الشهادات البارزة التي أعطاها لها ذوو القدر المعروف، من جهة حكمهم وعلمهم واستقامتهم، في الداخل والخارج معا، لأنها تنطق بمدح نفسها؛ فالذهب لا يحتاج إلى طلاء، ولا الماس إلى تلوين. فائذنوا لنا فقط أن نقول لكم إنه لا يسعنا إلا أن نعد رحمة بارزة أن نتمتع بمعينات كهذه. وقد جرت العادة في هذه الأيام أن يتكلم الناس بالشر على ما لا يعرفون؛ فإن كان في أحد فكر حقير عن هذه الرسائل، فلن نسدي إليه إلا المشورة نفسها التي أسداها فيلبس إلى نثنائيل: تعال وانظر (يوحنا ١:٤٦). وليس بالقليل ما ناله القارئ الآن من فائدة بإضافة نصوص الكتاب المقدس بتمامها، إذ يستطيع بجهد يسير أن ينتفع أكثر، لأنه يرى مع كل حق أساسه الكتابي. والحق أنه، بالنظر إلى ما في هذا اليوم من بلبلة الآراء وتشويش الألسنة العجيب بين من يزعمون أنهم يتكلمون لغة كنعان، فلا يخلص أحد من ذوي الفهم إلا إلى أن مشورة النبي تلائم عصرا كهذا العصر على الخصوص (إشعياء ٨:٢٠): إلى الشريعة وإلى الشهادة، إن لم يقولوا مثل هذا القول فليس لهم فجر. وإذا كان واضعو هذه الرسائل الموقرون العلماء قد رضوا أن يتكبدوا عناء إلحاق براهين الكتاب المقدس بكل حق، لئلا يُبنى إيمان الناس على أقوال البشر بل على سلطان الله، فقد بُذل الآن كذلك جهد غير قليل في نسخ تلك النصوص؛ وذلك من جهة لاتقاء ذلك العائق الكبير الذي كثر في جميع الطبعات السابقة، إلا اللاتينية، فأربك القارئ وثبطه كثيرا، أي الخطأ في الاستشهاد بالكتاب المقدس، إذ يستطيع أدنى القراء، بوجود النص بتمامه، أن يصحح كل خطأ قد يقع فيه الطابع في ذكر الموضع؛ ومن جهة لاتقاء مشقة الرجوع إلى كل برهان، وهي مشقة عظيمة لا محالة؛ ومن جهة لإعانة ذاكرة من يرضون بمشقة الرجوع إلى كل برهان لكنهم لا يقدرون أن يحفظوا ما يقرأون؛ ومن جهة ليكون هذا بمثابة موضع جامع لنصوص الكتاب المقدس، إذ تُرد في هذا الكتاب المواضع المتفرقة هنا وهناك في الكلمة إلى أبوابها الملائمة، فيضيء بعضها بعضا. فالفوائد في هذا التصميم، كما ترون، كثيرة عظيمة؛ إذ يصير طريق المعرفة الروحية أيسر، ويصير جهل هذا العصر أقل عذرا.

فإن كان فيكم إذن أدنى شرارة من محبة الله، فلا ترضوا أن يجهل أحد ممن هم لكم من تعجبون به هذا الإعجاب، ولا أن يبغضه أحد منهم وأنتم تحبونه هذه المحبة. وإن كان فيكم شيء من الشفقة على نفوس من هم في عهدتكم، وشيء من المبالاة بأن توجدوا أمناء في يوم المسيح، وشيء من الاعتبار للأجيال الآتية، فاجتهدوا أن تزرعوا بذور المعرفة هذه، لتنمو في الأزمنة التالية. وأن تكونوا أمناء في هذا، هو الصلاة الحارة لـ:

هنري ويلكينسون، دكتور في اللاهوت، رئيس قاعة مجدلين
جون فولر
جورج غريفيثز
ماثيو هافيلاند
روجر دريك
جيمس نالتون
إدوارد بيركنز
وليم بلاكمور
وليم تايلور
توماس غودوين
رالف فينينغ
ريتشارد كنتش
صموئيل أنسلي
ماثيو بول
جيريمياه بورويل
ألكسندر برينغل
توماس غاوج
وليم بيتس
جوزيف تشرش
وليم ويكنز
تشارلز أوفسبرنغ
جون لودر
هـ. بريدجز
توماس واتسون
آرثر جاكسون
فرنسيس رايوورث
صموئيل سميث
جون جاكسون
جون كروس
وليم كوبر
صموئيل رولز
جون سيبروك
صموئيل كلارك
وليم جنكن
جون غلاسكوك
جون بيتشي
صموئيل سلاتر
توماس مانتون
ل. كوك
جيمس جوليف
وليم ويتاكر
توماس جاكوم
جون شيفيلد
عوبديا لي